القرطبي
418
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تريد . ( فتأتيهم بآية ) عطف عليه أي ليؤمنوا فافعل ، فأضمر الجواب لعلم السامع . أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ألا يشتد حزنه عليهم إذا كانوا لا يؤمنون ، كما أنه لا يستطيع هداهم . ( ولو شاء الله لجمعهم على الهدى ) أي لخلقهم مؤمنين وطبعهم عليه ، بين تعالى أن كفرهم بمشيئة الله ردا على القدرية . وقيل المعنى : أي لأراهم آية تضطرهم إلى الايمان ، ولكنه أراد عز وجل أن يثيب منهم من آمن ومن أحسن . ( فلا تكونن من الجاهلين ) أي من الذين أشتد حزنهم وتحسروا حتى أخرجهم ذلك إلى الجزع الشديد ، وإلى ما لا يحل ، أي لا تحزن على كفرهم فتقارب حال الجاهلين . وقيل : الخطاب له والمراد الأمة ، فإن قلوب المسلمين كانت تضيق من كفرهم وإذايتهم . قوله تعالى : إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ( 36 ) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 37 ) قوله تعالى : ( إنما يستجيب الذين يسمعون ) أي سماع إصغاء وتفهم وإرادة الحق ، وهم المؤمنون الذين يقبلون ما يسمعون فينتفعون به ويعملون ، قال معناه الحسن ومجاهد ، وتم الكلام . ثم قال : ( والموتى يبعثهم الله ) وهم الكفار ، عن الحسن ومجاهد ، أي هم بمنزلة الموتى في أنهم لا يقبلون ولا يصغون إلى حجة . وقيل : الموتى كل من مات . " يبعثهم الله " أي للحساب ، وعلى الأول بعثهم هدايتهم إلى الايمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم . وعن الحسن : هو بعثهم من شركهم حتى يؤمنوا بك يا محمد - يعني عند حضور الموت - في حال الالجاء في الدنيا . قوله تعالى : ( وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه ) قال الحسن : ( لولا ) ها هنا بمعنى هلا ، وقال الشاعر : ( 1 ) تعدون عقر النيب أفضل مجدكم * بني ضوطري لولا الكمي المقنعا
--> ( 1 ) هو الفرزدق يفتخر في شعره بكرم أبيه غالب وعقره مائة ناقة في معاقرة سحيم بن وثيل الرياحي في موضع يقال له ( صوأر ) على مسيرة يوم من الكوفة ولذلك يقول جرير أيضا : وقد سرني ألا تعد مجاشع * من المجد إلا عقر نيب بصوأر وبنو ضوطري تقال للقوم إذا كانوا لا يغنون غناء .